محمد بن جرير الطبري
574
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال ، إنّ الله تعالى قد سمَّى هذه الأشياء التي سمّاها في هذه الآية " رجسًا " ، وأمر باجتنابها . وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية ، وجائز أن يكون نزولها كان بسبب دُعاء عمر رضي الله عنه في أمر الخمر = وجائز أن يكون ذلك كان بسبب ما نالَ سعدًا من الأنصاري عند انتِشائهما من الشراب = وجائز أن يكون كان من أجل ما كان يلحق أحدَهم عند ذهاب ماله بالقمار من عداوة من يَسَرَه وبغضِه ، ( 1 ) وليس عندنا بأيِّ ذلك كان ، خيرٌ قاطع للعذر . غير أنه أيّ ذلك كان ، فقد لزم حكم الآية جميعَ أهل التكليف ، وغيرُ ضائرهم الجهل بالسبب الذي له نزلت هذه الآية . فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان ، فرضٌ على جميع من بلغته الآية من التكليفُ اجتنابُ جميع ذلك ، كما قال تعالى : " فاجتنبوه لعلكم تفلحون " . * * * القول في تأويل قوله : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 ) } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه " = " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول " ، في اجتنابكم
--> ( 1 ) " يسره " ، يعني : غلبه في الميسر ، وأخذ ماله . قال الزمخشري : " من المجاز : أسروه ، ويسروا ماله . وتياسرت الأهواء قلبه ، قال ذو الرمة : بِتَفْرِيقِ أَظْعَانٍ تيايَسَرْنَ قَلْبَهُ . . . وَخَانَ العَصَا مِنْ عَاجِلِ البَيْنِ قَادِحُ وهذا اللفظ كما استعمله أبو جعفر ، لم تقيده كتب اللغة ، ولكن مقالة الزمخشري دالة على صوابه ، كما قالوا من " القمار " : " قمره " .